عبد الملك الجويني

188

نهاية المطلب في دراية المذهب

التوبة ذريعة إلى إسقاط الحدود كلها ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة ماعز " لعله يتوب " حمله بعض الحذاق على الرجوع عن الإقرار ، وأصل التوبة في اللسان الرجوع ، وكان قد ثبت الحد على ماعز بإقراره . فإن قيل : أليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أتى من هذه القاذورات شيئاً ، فليستتر بستر الله " ( 1 ) . ولو كان الحد لا يسقط بالتوبة ، لكان فيما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريض على كتمان حقٍّ واجبٍ لله تعالى . قلنا : لا يمتنع أن تكون توبة المستتر الذي لا يبدي صفحته بمثابة توبة قاطع الطريق قبل الظفر به . وفيما ذكرناه احتمال ؛ فإنّ سبب قبول توبة المحاربين عطفُهم على الطاعة ، وردُّهم بالاستمالة إليها . وهذا المعنى لا يتحقق فيما ذكرناه ، والمسألة محتملة . وتمام الحديث يدل على أن التوبة بعد ظهور وجوب الحد لا تنجع ، فإنه صلى الله عليه وسلم قال في تمام الحديث : " فإنه من يبدي لنا صفحته نقيم عليه حد الله تعالى " ( 2 ) . وهذا نص في أن التوبة لا تنفع . 11054 - وقد عاد بنا الكلام إلى تفصيل القول في الهرب ، وقد ذكرنا فيه اختلافاً ، واضطرب أئمتنا في تنزيله : فقال قائلون : الخلاف في الهرب إنما يجري إذا كان الحد ثابتاً بالإقرار ، فأما إذا ثبت بالبينة ، لم ينفع الهرب . وقال قائلون : الخلافُ جارٍ سواء ثبت الحد بالبينة [ أو بالإقرار ] ( 3 ) . وذكر بعض الأئمة مسلكاً حسناً في ذلك ، فقال : الخلاف في أن الهارب هل يتبع ؟ فأما المصير إلى أن الحد يسقط به ، فلا ، ولو امتنع من عليه الحد عن

--> ( 1 ) حديث " من أتى من هذه القاذورات شيئاً . . " رواه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم ، والشافعي عنه ، وقال : هو منقطع . وقد روي مسنداً من حديث ابن عمر بلفظ ( اجتنبوا هذه القاذورات ) رواه الحاكم في المستدرك ( ر . الموطأ : 2 / 825 ، المستدرك : 4 / 244 ، 383 ، التلخيص : 6 / 106 ح 2039 ) . ( 2 ) تمام الحديث ، أي حديث " من أتى من هذه القاذورت . . . " . ( 3 ) في الأصل : " أولاً بالإقرار " .